ضياء الدين نصر الله بن محمد ابن الأثير الجزري الموصلي ( ابن الأثير الموصلي )

178

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر

فإنه لما كره عتابها اعترض بين الأمر والمعطوف عليه بهذه اللفظة على طريق الذم . الضرب الثاني - وهو الذي يؤثر في الكلام نقصا ، وفي المعنى فسادا - وقد تقدم ذكر أمثاله وأنظاره في باب التقديم والتأخير ، وإنما جيء بذكره هاهنا مكرّرا لإتمام التقسيم الاعتراضي فيما أفاد وفيما لا يفيد ، وقد ذكرت من ذلك مثالا واحدا أو مثالين ؛ فمما ورد منه قول بعضهم « 1 » : فقد والشّكّ بيّن لي عناء * بوشك فراقهم صرد يصيح فإن هذا البيت من رديء الاعتراض ما أذكره لك ، وهو الفصل بين قد والفعل الذي هو بيّن ، وذلك قبيح ؛ لقوة اتصال قد بما تدخل عليه من الأفعال ألا تراها تعدّ مع الفعل كالجزء منه ، ولذلك أدخلت عليها اللام المراد بها توكيد الفعل ، كقوله تعالى : لقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك وقوله تعالى : ولقد علموا لمن اشتراه وقول الشاعر « 2 » : ولقد أجمع رجليّ بها * حذر الموت وإنّي لفرور « 3 » إلا إن فصل بين قد والفعل بالقسم فإن ذلك لا بأس به ، نحو قوله : قد واللّه كان ذاك ، وقد فصل في هذا البيت أيضا بين المبتدأ الذي هو الشّكّ وبين الخبر الذي هو عناء بقوله بيّن لي ، وفصل بين الفعل الذي هو بيّن وبين فاعله الذي هو صرد بخبر المبتدأ الذي هو عناء ؛ فجاء معنى البيت كما تراه ، كأنه صورة مشوّهة قد نقلت أعضاؤها بعضها إلى مكان بعض .

--> ( 1 ) سبق ذكر هذا البيت فارجع إليه في ( ص 43 من هذا الجزء ) . ( 2 ) البيت أول كلمة لعمرو بن معديكرب الزبيدي اختارها أبو تمام في الحماسة ، وبعده قوله : ولقد أعطفها كارهة * حين للنّفس من الموت هرير ( 3 ) وقع في ا ، ب ، ج « وإني لقرور » بالقاف ، وما أثبتناه عن الحماسة « لفرور » بالفاء . وانظر شرح التبريزي ( 1 - 176 ) وقد ذكر أن بعضهم يرويه « لقرور » بالقاف ؛ اعتمادا على أن المرء لا يمدح نفسه بالفرار ، ثم غلط من يروي ذلك ، استنادا إلى قول الشاعر نفسه بعد ذلك : كلّ ما ذلك منّي خلق * وبكلّ أنا في الرّوع جدير